السيد محمد حسين الطهراني
267
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
فهذا القرآن النازل مفصّلًا ومبيّناً موجود على نحو أعلى وأكمل في ذلك القرآن العالي والعليّ المُحكم المُنزل عنه ، كأنّ ذلك القرآن كان نبعاً من الماء يفور الماء منه على الدوام ، فاعطيَ منبع الفوران والنبع ذلك دفعةً إلى النبيّ ، ثمّ منح صلوات الله عليه وآله وسلّم تدريجيّاً هذا الفوران المستمرّ المتوالي من مياه الرحمة التي شملت أرجاء العالم . أو كمثل مَلَكة الرسم والخطّ ومَلَكات سائر الحِرَف والصنائع التي يوجد أصلها في الشخص الواجد لها ، فهي موجودة لديه بلا شكل أو أبعاد أو زمان أو ما شابه ، وبواسطة تلك المَلَكة البسيطة المجرّدة يقوم صاحبها تدريجيّاً بإنزال ملكاته بصورة محدودة ومعيّنة إلى عالم الفعل والخارج ويلبسه لباس التحقّق والفعليّة ، كما يفعل الرسّام برسم اللوحات المختلفة الهيئة والكيفيّة ، وكما يفعل الخطّاط بخطّ الخطوط المختلفة ، وكما يفعل سائر أصحاب الصنائع والحِرَف . وهكذا ، فقد كان ذلك القرآن المُحكم - الذي نزل دفعةً - حقيقة متعالية ؛ وكان هذا القرآن المفصّل في ثلاثين جزءاً ومائة وأربع عشرة سورة ، والنازل تدريجيّاً بأشكال مختلفة ومطالب متنوّعة من التوحيد والمعارف والقصص والأحكام وغيرها ؛ بحسب المقتضيات المحدودة المتميّزة ليس إلّا ذلك القرآن العالي . لا فرق بينهما إلّا في التفصيل والإجمال ، فإن رُفع هذا القرآن إلى الأعلى لصار ذاك ، وإن انزل ذاك صار هذا . ذلك القرآن هو حقيقة نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهذا القرآن هو أخلاقه ومَلَكاته وأعماله . « 1 »
--> ( 1 ) - يقول العالم المصريّ الواعي المتتبّع والصريح غير المتعصّب . المرحوم الشيخ محمود أبوريّة غفر الله له في كتاب « أضواء على السُّنَّة المحمّديّة » ص 40 ، الطبعة الثانية . وممّا أورد الشاطبيّ . أنّ السنّة بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب ، ودلّ على ذلك قوله تعالى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ؛ وأنّ السنّة راجعة في معناها إلى الكتاب ، فهي تفصيلُ مجمله ، وبيان مشكله ، وبسط مختصره ، وذلك لأنّها بيانٌ له . وهو الذي دلّ عليه قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ، فلا تجد في السنّة أمراً إلّا والقرآن قد دلّ على معناه دلالة إجماليّة أو تفصيليّة ، وأيضاً فكلّ ما دلّ على أنّ القرآن هو كلّيّة الشريعة وينبوع لها ، فهو دليل على ذلك ، ولأنّ الله قال . وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ، وفسّرت عائشة ذلك بِأنَّ خُلُقَهُ القُرْآنُ - واقتصرت في خُلقه على ذلك - فدلّ على أنّ قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن ، لأنّ الخُلق محصور في هذه الأشياء ، ولأنّ الله جعل القرآن تبياناً لكلّ شيء .